
في رحاب نهج البلاغة الحلقة السادسة
قال إمامنا ومولانا أمير المؤمنين علي(ع):
واصطفى سبحانه من وَلده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لمّا بدّل أكثر خلقه عهدَ الله إليهم، فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويُروهم لآيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ومهاد تحتهم موضوع ومعايشَ تحييهم وآجال تفنيهم وأوصاب تُهرمهم وأحداث تَتابع عليهم:
من خلال هذه العبارات القلائل بألفاظها وعدد حروفها يكشف لنا الإمام(ع) أموراً كثيرة ومفاهيم عديدة ويشير فيها إلى عدة من المسائل العقائدية التي تلزم كل مؤمن وتَهم كل مسلم وهي في الوقت نفسه موضع اهتمام أهل العلم من جميع الفئات والطبقات.
فبعد أن حدثنا الإمام عن خلق الإنسان أشار إلى كونه لم يخلق سدى ولم يوجد في الحياة عبثاً ولم يُترَك وشأنه، وهو(ع) يؤكد بكلامه ما ورد في الكتاب العزيو موضحاً لنا معاني تلك الآيات التي لا يعلم تأويلها ومعانيها إلا الله ومن أتحفهم بالعلم والمعرفة ومنّ عليهم بالفهم العميق والقلب السليم وهم محمد وآله(ص) قال سبحانه(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقال( أيحسب الإنسان أن يترك سدى) وقال(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ)
والإمام سلام الله عليه يوضح لنا هذه المعاني ويكشف لنا تلك الأبعاد والمفاهيم بطريقته الخاصة فيقول: واصطفى سبحانه من وَلده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم:
لقد اصطفى الله من أولاد آدم(ع) أنبياء بعثهم للناس بعد أن أخذ الميثاق عليهم، وبمعنى آخر أنه تعالى أخذ على الأنبياء الميثاق في تبليغ ما يوحى إليهم منه سبحانه، وأن لا يشرّعوا للناس من دون وحي كيلا تختل الموازين الإلهية في نفوس البشر، لقد أمّنهم على الرسالة وتبليغها فأدوا تلك الأمانة على أتم صورة وأكمل وجه.
لقد بعثهم ربهم عندما بدّل الناس عهد الله الذي عاهدوه عليه وهم في عالم الذر، وربما في غير عالم الذر أيضاً كما سوف يظهر لنا بوضوح، فعندما بدّل الناس عهد الله واتخذوا الأصنام شركاء معه بعث إليهم الأنبياء ليلقوا الحجة عليهم كيلا يكون لأحدهم عذر يعتذر به في يوم القيامة وكيلا يقع العذاب من دون إنذار على قاعدة قوله تعالى(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وفي ذلك يقول(ع): لمّا بدّل أكثر خلقه عهدَ الله إليهم، فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه:
لقد سيطرت الشياطين عليهم فاستعبدتهم وملكت قلوبهم واستحوذت عليها، قال(ع): واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته: لقد اجتالتهم الشياطين وصرفتهم عن قصدهم الذي وُجّهوا إليه بالهداية التي فطرهم ربهم عليها، فاقتطعتهم عن عبادة الرحمن جل وعلا، فحينئذ لم يكن ليترك الله خلقه يغرقون في الهاوية والمهالك وظلمات الحياة: فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسي نعمته: لعله(ع) يريد أن يقول لنا إن الله تعالى بعث إلينا الأنبياء لا على نحو التعاقب بل كان يرسل أكثر من نبي في آن واحد كما تقتضي الحاجة، أرسلهم ليستأدونا ميثاق فطرتنا، بمعنى أن يحركوا بداخلنا تلك القوى التوحيدية التي فطرنا الله عليها وييطلبوا منا السير على نهج تلك الفطرة، كما وأرسلهم إلينا ليذكرونا بالنعم الإلهية التي نسيناها تارة وتناسيناها تارة أخرى بسبب انغماسنا في الشهوات.
ومن جملة الوظائف التي قام بها الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين هو ما قاله(ع) ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويُروهم لآيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ومهاد تحتهم موضوع ومعايشَ تحييهم وآجال تفنيهم وأوصاب تُهرمهم وأحداث تَتابع عليهم:
ويقول علي(ع): ولم يُخلِ الله سبحانه خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل أو حجة لازمة أو محجة قائمة، رسل لا تقصّر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم، من سابق سمي له من بعده أو غابر عرّفه من قبله، على ذلك نَسلَت القرون ومضت الدهور وسَلَفَت الآباء وخَلَفت الأبناء:
في البحث الماضي ذكرنا بعض وظائف الأنبياء سلام الله عليهم، وفي هذا البحث يشير إمامنا علي(ع) إلى حالات له علاقة ببعث الأنبياء وإرسال الرسل مشيراً إلى إتمام الحجة على الخلق حيث لم تخل هذه الأرض من نبي مرسل أو كتاب منزل من الحق سبحانه وتعالى، وقد قال سبحانه في كتابه الكريم(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وكلام الإمام هنا يحمل نفس معنى الآية المباركة حيث أن من ألطاف الله بعباده أنه لا يعاقبهم ولا يحاسبهم على أخطائهم إلا إذا ألقى الحجة عليهم وبعث الرسل والحجج إليهم، فمن لم يأته نبي فقد أتاه كتاب سماوي فيه العلم والهداية والحجج البالغة والبراهين الساطعة على صدق ما قاله الأنبياء وأتوا به من عند ربهم.
نحن مثلاً في أيامنا هذه لا يوجد بيننا نبي لأن الله تعالى ختم صفحة النبوة بسيد الأنبياء الذي جاء بالشريعة الخالدة والكتاب المنير الذي هو بين أيدينا والذي لا يأتيه الباطل من أي مكان، ووجوده بيننا هو أكبر حجة علينا، هذا بالإضافة إلى التراث الذي خلّفه المعصومون عليهم السلام وهو عبارة عن كنوز من التعاليم والآداب والتوجيهات والأحكام التي علّموها كل مسلم ومسلمة، وهذه التعاليم هي المحجة القائمة المشار إليها بكلام الإمام(ع) فلا يحق للإنسان أن يحتج على الخالق بعدم وجود النبي لأن وجود النبي لا ينحصر بشخصه بل بما أتى به من التعاليم والأحكام وأسباب الهداية، وهذا القرآن والسنّة الشريفة وجودهما كوجود النبي بيننا فلا يحق لنا أن نحتج على خالقنا من هذه الناحية لأنها حجة بالغة لا ينكرها إلا معاند.
ثم قال(ع): ، رسل لا تقصّر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم:
فمن سنن الحياة التي لم تتبدل منذ القدم هو قلة المؤمنين وكثرة الكافرين لأن أكثر الناس عبيد الدنيا وأعداء أنفسهم بل هم أعداء الحق والحقيقة، ولذلك يشير القرآن الكريم إلى هذه الناحية حيث يقول(مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) وقال(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) وقال(وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) وهناك العديد من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى، وكذلك يشير أمير المؤمنين في غير هذا الموضوع إلى هذه الناحية حيث يقول:لا تستوحشوا من طريق الهدى لقلة سالكيه:
والإمام(ع) في الفقرات السابقة يشير إلى القوة والجرأة التي كان يتمتع بها أنبياء الله الذين لم يشعروا بالخوف رغم الأخطار المحدقة بهم ولم يستوحشوا لقلة المؤمنين بهم لأنهم يعرفون ما يدور في نفوس الناس من تجاذبات نحو الباطل والشهوات ويدركون حقيقة الوسوسات الشيطانية التي صرعت الأكثرين من الناس عبر الزمن.
لقد كان الأمر واحداً في عهد نوح الذي لم يؤمن به سوى قلة قليلة عبر قرون كثيرة، وكذلك في عهد إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء محمد(ص) الذي عاش سنوات طويلة وحيداً ليس معه مؤمن أو مؤمنة سوى علي وخديجة سلام الله عليهما.
وعلى هذه الحالة سارت البشرية ونسلت القرون كما قال أمير المؤمنين(ع).



